يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
566
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة ، ودعي إلى نيف وثلاثين ألفا ليأخذها ، فقال : لا حاجة لي فيها ، وكان لا يقبل من أحد شيئا لا دينارا ولا درهما ولا شربة ماء ، وكان يقول : الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها بغير حقها ، وطلبها بغير وجهها ، ووضعها في غير سبيلها . وقال أبو حامد وقد ذكر نوعا مما تقدّم : ولا تعجبن من هذا ، فإن للّه القدرة على ما يشاء ، وهذا مريض نراه لا يأكل شهرا وهو حي يعيش ، والمريض على كل حال أضعف من القوي . وأما الذي يموت جوعا فذلك أجله حضره ، كالذي يموت شبعا وتخمة . قال : ولقد بلغني عن أبي سعيد الخراز رحمه اللّه أنه قال : كان حالي مع اللّه تعالى أن يطعمني في كل ثلاثة أيام ، فدخلت البادية فمضت عليّ ثلاثة أيام ما طعمت ، فلما كان اليوم الرابع وجدت ضعفا فجلست مكاني ، فإذا هاتف يقول : يا أبا سعيد أيما أحب إليك سبب أو قوى ؟ قلت : لا القوى ، فقمت من وقتي وقد استقللت ، فأقمت اثني عشر يوما لا طعمت ولا وجدت أذى لذلك . وقال أبو حامد رحمه اللّه : واللّه سبحانه وتعالى قادر على ما يشاء ، وإن شاء أقام بنية عبده بطعام وشراب أو بطين وتراب ، أو بتسبيح وتهليل كالملائكة ، وإن شاء بدون هذا كله ، فليس مطلوب العبد إلا القوام والقوة للعبادة ، وبهذا المعنى قويت الزهاد والعباد على الأسفار وطي الليالي والأيام ، فمنهم من لم يأكل عشرة أيام ، ومنهم من لم يأكل شهرا أو شهرين وهو على قوّته ، ومنهم من كان يستف الرمل فيجعله اللّه له غذاء ، نحو ما ذكر عن الثوري رضي اللّه عنه أنه نفدت نفقته بمكة ، فمكث خمسة عشر يوما يستف الرمل . وقال أبو معاوية الأسود : رأيت إبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه يأكل الطين عشرين يوما . وعن الأعمش قال : قال إبراهيم التيمي : ما أكلت منذ شهر . قلت : منذ شهر ! قال : ولا شهرين ، إلا أن إنسانا ناشدني على عنقود من عنب فأكلته ، فأنا أشتكي بطني . قال يوسف بن الشيخ : العجب من الثوري إذ كان يسف الرمل وهو بمكة ، هلا شرب من ماء زمزم فيكفيه ، كما فعل أبو ذر رضي اللّه عنه ، فقد جاء في الصحيح أنه أقام بمكة خمسة عشر ، ثلاثين بين يوم وليلة ، ليس له طعام إلا ماء زمزم ، قال : فسمنت عليه حتى تكسرت عكن بطني ، قلت : فهذه عطايا من اللّه عز وجل لأوليائه أهل خدمته . قلت هذا قبل أن أعلم العلة في تركه الشرب من ماء زمزم ، وذلك أن القوم كانوا يتورعون عن طعام أو شراب فيه أدنى شبهة ، ولما كان الدلو والحبل الذي يستقي به الماء من زمزم من قبل السلطان تورعوا عن تناوله . وقيل لإبراهيم بن أدهم رضي اللّه عنه وهو بمكة وكان لا يشرب من ماء زمزم : ألا تشرب من ماء زمزم ؟ فقال : لو كان لي دلو لشربت . وقال أبو عبد اللّه بن